سيد محمد طنطاوي
390
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقول هذا الإنسان في الحالين ، قول مذموم ، يدل على سوء فكره ، وقصور نظره ، وانطماس بصيرته ، لأنه في حالة العطاء والسعة في الرزق . يتفاخر ويتباهى ، ويتوهم أن هذه النعم هو حقيق وجدير بها ، وليست من فضل اللَّه - تعالى - وكأنه يقول ما قاله قارون : إِنَّما أُوتِيتُه عَلى عِلْمٍ عِنْدِي وفي حالة المنع والضيق في الرزق يجزع ، ويأبى أن يرضى بقضاء اللَّه وقدره . . ولا يخطر بباله أن نعم اللَّه ، إنما هي فضل تفضل به - سبحانه - عليه ليختبره ، أيشكر أم يكفر . وأن تضييقه عليه في الرزق ، ليس من الإهانة في شيء ، بل هو للابتلاء - أيضا - والامتحان ، كما قال - تعالى - : ونَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً ، وإِلَيْنا تُرْجَعُونَ . قال الإمام الشوكاني عند تفسيره لهاتين الآيتين : وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث ، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في متاعها ، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها ، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه اللَّه بطاعته ، ويوفقه لعمل الآخرة . ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم ، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير ، وما أصيب به من الشر في الدنيا ، ليس إلا للاختبار والامتحان ، وأن الدنيا بأسرها ، لا تعدل عند اللَّه - تعالى - جناح بعوضة . . « 1 » . واقتصر - سبحانه - في الآية الكريمة على تقتير الرزق ، في مقابلة النعمة ، دون غير ذلك من الأمراض والآفات ، للإشعار بأن هذا الإنسان يعتبر دنياه جنته ومنتهى آماله . فهو لا يفكر إلا في المال ولا يحزن إلا من أجله ، وأن المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ما عندهم من أموال كما قال شاعرهم : فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي بنون كرام ، سادة لمسوّد ولما كان هذا القول مذموما من هذا الإنسان في الحالين . لعدم شكره للَّه - تعالى - في حالة الرخاء ، ولعدم صبره على قضائه في حالة البأساء . لما كان الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال - تعالى - : * ( كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ . ولا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) * . فقول - تعالى - : * ( كَلَّا ) * زجر وردع عن قول هذا الإنسان * ( رَبِّي أَكْرَمَنِ ) * عند
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 438 .